وقال إمام الحرمين الجوينيُّ الشافعي رحمه الله (روضة الطالبين 7/24) : اتفق المسلمون على منع النِّساء من الخروج سافرات الوجوه؛ لأنَّ النَّظر مظنَّة الفتنة، وهو محرك للشهوة، فاللائق بمحاسن الشرع سدُّ الباب فيه، والإعراض عن تفاصيل الأحوال، كالخلوة بالأجنبية .انتهى
قال الغزالي في الأحياء (2/53) : فإذا خرجت فينبغي أن تغض بصرها عن الرجال , ولسنا نقول إن وجه الرجل في حقها عورة كوجه المرأة في حقه , بل هو كوجه الصبي الأمرد في حق الرجل فيحرم النظر عند خوف الفتنة فقط , فإن لم تكن فتنة فلا , إذ لم يزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه والنساء يخرجن منتقبات , ولو كان وجوه الرجال عورة في حق النساء لأمروا بالتنقب أو منعن من الخروج إلا لضرورة . انتهى
قال النووي في المنهاج : وَيَحْرُمُ نَظَرُ فَحْلٍ بَالِغٍ إلَى عَوْرَةِ حُرَّةٍ كَبِيرَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ , وَكَذَا وَجْهُهَا وَكَفَّيْهَا عِنْدَ خَوْفِ فِتْنَةٍ ، وَكَذَا عَنْدَ الْأَمْنِ عَلَى الصَّحِيحِ . انتهى
قال زكريا الأنصاري في أسنى المطالب : وَتَحْتَجِبُ مُسْلِمَةٌ عن كَافِرَةٍ وُجُوبًا , فَيَحْرُمُ نَظَرُ الْكَافِرَةِ إلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى { أو نِسَائِهِنَّ } وَالْكَافِرَةُ لَيْسَتْ من نِسَاءِ الْمُؤْمِنَاتِ , وَلِأَنَّهَا رُبَّمَا تَحْكِيهَا لِلْكَافِرِ فَلَا تَدْخُلُ الْحَمَّامَ مع الْمُسْلِمَةِ , نعم يَجُوزُ أَنْ تَرَى منها ما يَبْدُو عِنْدَ الْمِهْنَةِ على الْأَشْبَهِ في الْأَصْلِ . قال الْأَذْرَعِيُّ وهو غَرِيبٌ لم أَرَهُ نَصًّا بَلْ صَرَّحَ الْقَاضِي وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِأَنَّهَا مَعَهَا كَالْأَجْنَبِيِّ , وَكَذَا رَجَّحَهُ الْبُلْقِينِيُّ وهو ظَاهِرٌ فَقَدْ أَفْتَى النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ على الْمُسْلِمَةِ كَشْفُ وَجْهِهَا لها , وهو إنَّمَا يَأْتِي على الْقَوْلِ بِذَلِكَ الْمُوَافِقُ لِمَا في الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ في مَسْأَلَةِ الْأَجْنَبِيِّ . انتهى
قال السبكي : الأقرب إلى صنيع الأصحاب أن وجهها وكفيها عورة في النظر . انتهى
وقال البلقيني : الترجيح بقوة المدرك والفتوى على ما في المنهاج وما نقله الإمام من الاتفاق على منع النساء - أي من الخروج سافرات - . انتهى
قال الرملي معقباً على دعوى الجمع بين كلام أئمة الشافعية وما نقل عن القاضي عياض : ظاهر كلامهما أن الستر واجب لذاته فلا يتأتى هذا الجمع , وكلام القاضي - عياض - ضعيف . انتهى من نهاية المحتاج
وقال الرملي في نهاية المحتاج في الجنائز : وممن استثنى الوجه والكفين المصنف - يقصد النووي - في مجموعه لكنه فرضه في الحرة , ووجوب سترهما في الحياة ليس لكونهما عورة , بل لكون النظر إليهما يوقع في الفتنة . انتهى
قال الجمل في حاشيته على المنهج : قوله (وعورة حرة غير وجه وكفين) وهذه عورتها في الصلاة وإما عورتها عند النساء المسلمات مطلقا وعند الرجال المحارم فما بين السرة والركبة وأما عند الرجال الأجانب فجميع البدن . انتهى
قال الدمياطي في إعانة الطالبين : ( قوله غير وجه وكفين ) مفعول ستر , أي يجب أن تستر سائر بدنها حتى باطن قدمها ما عدا وجهها وكفيها , وذلك لقوله تعالى { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } قال ابن عباس وعائشة هو الوجه والكفان , ولأنهما لو كانا عورة في العبادات لما وجب كشفهما في الإحرام , ولأن الحاجة تدعو إلى إبرازهما . واعلم أن للحرة أربع عورات فعند الأجانب جميع البدن , وعند المحارم والخلوة ما بين السرة والركبة , وعند النساء الكافرات ما لا يبدو عند المهنة , وفي الصلاة جميع بدنها ما عدا وجهها وكفيها . انتهى
قال السيوطي في الإكليل : قوله تعالى { يدنين عليهن من جلابيبهن } هذه آية الحجاب في حق سائر النساء , ففيها وجوب ستر الرأس والوجه عليهن . انتهى
وقال السيوطي في الأشباه والنظائر ص240 : المرأة في العورة لها أحوال حالة مع الزوج ولا عورة بينهما وفي الفرج وجه وحالة مع الأجانب وعورتها كل البدن حتى الوجه والكفين في الأصح وحالة مع المحارم والنساء وعورتها ما بين السرة والركبة وحالة في الصلاة وعورتها كل البدن إلا الوجه والكفين. انتهى
قال البيضاوي في تفسيره : { يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن } يغطين وجوههن وأبدانهن بملاحفهن إذا برزن لحاجة , و { من } للتبعيض فإن المرأة ترخي بعض جلبابها وتتلفع ببعض . انتهى
وقال البيضاوي عند قوله { إلا ما ظهر منها } : عند مزاولة الأشياء كالثياب والخاتم فإن في سترها حرجا , وقيل المراد بالزينة مواضعها على حذف المضاف , أو ما يعم المحاسن الخلقية والتزيينية والمستثنى هو الوجه والكفان , لأنها ليست بعورة , والأظهر أن هذا في الصلاة لا في النظر , فإن كل بدن الحرة عورة لا يحل لغير الزوج والمحرم النظر إلى شيء منها إلا لضرورة كالمعالجة وتحمل الشهادة . انتهى
قال الشهاب في شرحه : ومذهب الشافعي رحمه الله كما في الروضة وغيره : أن جميع بدن المرأة عورة حتى الوجه والكف مطلقاً , وقيل : يحل النظر إلى الوجه والكف إن لم يخف , وعلى الأول : هما عورة إلا في الصلاة , فلا تبطل صلاتها بكشفهما . انتهى
وقال الحافظ ابن حجر (الفتح 1/249) : قوله ( احجب ) أي امنعهن من الخروج من بيوتهن , بدليل أن عمر بعد نزول آية الحجاب قال لسودة ما قال كما سيأتي قريبا , ويحتمل أن يكون أراد أولاً الأمر بستر وجوههن , فلما وقع الأمر بوفق ما أراد , أحب أيضاً أن يحجب اشخاصهن مبالغة في التستر فلم يجب لأجل الضرورة . انتهى
قال الحافظ ابن حجر أيضاً في الفتح (12/245) : ومن المعلوم أن العاقل يشتد عليه أن الأجنبي يرى وجه زوجته وابنته ونحو ذلك . انتهى
علماء المذهب الحنبلي :
من المعلوم أن المشهور في المذهب الحنبلي أن وجه المرأة الحرة عورة في غير الإحرام والصلاة , وخالف بعض الحنابلة مشهور المذهب ورجحوا أن الوجه ليس بعورة وإلا لما جاز كشفه في الإحرام والصلاة , ومع ذلك فالجميع متفقون على وجوب ستره عن الرجال الأجانب . والجدير بالذكر التنبيه على أن الذين قالوا أن الوجه عورة , لا يعنون تنزيله منزلة السؤاتين , وإنما ذلك من باب التغليب والاصطلاح الفقهي وأن مكمن الستر يسمى عورة , ويظهر لك ذلك بأنهم لا يوجبون على المرأة ستر وجهها في بيتها وهي خالية , وأما السؤاتان فينهى عن كشفهما مطلقاً ولو كان المكلف خالياً إلا لحاجة , على خلاف في النهي بين التحريم والكراهة .
وإليك أيها الموفق للصواب نصوص بعض علماء الحنابلة ممن رجحوا أن الوجه والكفين ليسا بعورة ومع ذلك هم يوجبون سترهما ولا يبيحون السفور :
قال الموفق ابن قدامة في المغني (1/671) : وقال مالك و الأوزاعي و الشافعي جميع المرأة عورة إلا وجهها وكفيها وما سوى ذلك يجب ستره في الصلاة لأن ابن عباس قال في قوله تعالى : { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } قال الوجه والكفين ولأن النبي صلى الله عليه و سلم نهى المحرمة عن لبس القفازين والنقاب ولو كان الوجه والكفان عورة لما حرم سترهما ولأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء والكفين للأخذ والإعطاء . انتهى
وقال الموفق في المغني (1/671) : وقال بعض أصحابنا المرأة كلها عورة لأنه قد روي في حديث عن النبي صلى الله عليه و سلم : [ المراة عورة ] رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح , لكن رخص لها في كشف وجهها وكفيها لما في تغطيته من المشقة وأبيح النظر لأجل الخطبة لأنه مجمع المحاسن . انتهى
قال الموفق في المغني (7/460) : وفي إباحة النظر إلى المرأة إذا أراد تزويجها دليل على التحريم عند عدم ذلك إذ لو كان مباحاً على الإطلاق فما وجه التخصيص لهذه وأما حديث أسماء إن صح فيحتمل أنه كان قبل نزول الحجاب فنحمله عليه انتهى
قال ابن مفلح في الفروع (2/35) : والحرة البالغة كلها عورة حتى ظفرها، نص عليه، إلا الوجه، اختاره الأكثر، وعنه والكفين . انتهى
وقال ابن مفلح في الفروع أيضاً (5/528 - 530) : وقال في الانتصار في مسألة التيمم ضربة للوجه والكفين: إن المرأة أبيح لها كشف الوجه والكفين في الصلاة والإحرام. ويجوز لها أن تسدل على الوجه لحاجة "و" لقول عائشة: كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات "1فإذا حاذونا أسدلت1" إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها, فإذا جاوزونا كشفناه ... وعن فاطمة بنت المنذر قالت: كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر, رواه مالك1, أطلق جماعة جواز السدل . والمذهب: يحرم تغطية ما ليس لها ستره ... وحكم المرأة كالرجل في جميع ما سبق إلا في لبس المخيط وتظليل المحمل, بالإجماع . انتهى
قال ابن مفلح في الآداب الشرعية (2/244) : وَيُكْرَهُ النِّقَابُ لِلْأَمَةِ وَعَنْهُ يَحْرُمُ ، وَعَنْهُ يُبَاحُ إنْ كَانَتْ جَمِيلَةً وَيُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ النِّقَابُ وَالْبُرْقُعُ فِي الصَّلَاةِ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ وَذَكَرَ فِي الْمُغْنِي قَوْلَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَكْشِفَ وَجْهَهَا فِي الصَّلَاةِ وَالْإِحْرَامِ . وَمُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ تَحْرِيمُهُ عَلَيْهَا - أي في غير الصلاة والإحرام - ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ رِوَايَةً بِأَنَّهُ عَوْرَةٌ فِي الصَّلَاةِ يَجِبُ سَتْرُهُ . انتهى
قال المرداوي في الإنصاف (1/319) : قوله: "والحرة كلها عورة حتى ظفرها وشعرها إلا الوجه". الصحيح من المذهب: أن الوجه ليس بعورة وعليه الأصحاب وحكاه القاضي إجماعا وعنه الوجه عورة أيضا قال الزركشي أطلق الإمام أحمد القول بأن جميعها عورة وهو محمول على ما عدا الوجه أو على غير الصلاة انتهى وقال بعضهم الوجه عورة وإنما كشف في الصلاة للحاجة قال الشيخ تقي الدين والتحقيق أنه ليس بعورة في الصلاة وهو عورة في باب النظر إذا لم يجز النظر إليه . انتهى
قال ابن المبرد يوسف بن عبد الهادي في مغني ذوي الأفهام ص103 : " وعورة المرأة الحرة : يجب ستر جميع بدنها " . انتهى
وقال ابن المبرد في كتاب النكاح ص356 : " ويجب عليها ستر وجهها إذا برزت . انتهى
وقد اصطلح ابن المبرد في مقدمة كتابه بأن ما أتفق فيه الأئمة , يصيغه بـ (( صيغة المضارع )) , وقد جزم في النقلين السابقين بقوله (( يجب )) . والله الموفق